ابن كثير

139

البداية والنهاية

عقبة بن عمرو : ما رأيت عقول الناس إلا قريبا بعضها من بعض ، إلا الحجاج وإياس بن معاوية ، فإن عقولهما كانت ترجح على عقول الناس . وتقدم أن عبد الملك لما قتل مصعب بن الزبير سنة ثلاث وسبعين بعث الحجاج إلى أخيه عبد الله بمكة فحاصره بها وأقام للناس الحج عامئذ ، ولم يتمكن ومن معه من الطواف بالبيت ، ولا تمكن ابن الزبير ومن عنده من الوقوف ، ولم يزل محاصره حتى ظفر به في جمادى سنة ثلاث وسبعين ، ثم استنابه عبد الملك على مكة والمدينة والطائف واليمن ، ثمن نقله إلى العراق بعد موت أخيه بشر ، فدخل الكوفة كما ذكرنا ، وقال لهم وفعل بهم ما تقدم إيراده مفصلا ، فأقام بين ظهرانيهم عشرين سنة كاملة . وفتح فيها فتوحات كثيرة ، هائلة منتشرة ، حتى وصلت خيوله إلى بلاد الهند والسند ، ففتح فيها جملة مدن وأقاليم ، ووصلت خيوله أيضا إلى قريب من بلاد الصين ، وجرت له فصول قد ذكرناها . ونحن نورد هنا أشياء أخر مما وقع له من الأمور والجراءة والاقدام ، والتهاون في الأمور العظام ، مما يمدح على مثله ومما يذم بقوله وفعله ، مما ساقه الحافظ ابن عساكر وغيره : فروى أبو بكر بن أبي خيثمة ، عن يحيى بن أيوب ، عن عبد الله بن كثير ابن أخي إسماعيل بن جعفر المديني ما معناه : أن الحجاج بن يوسف صلى مرة بجنب سعيد بن المسيب - وذلك قبل أن يلي شيئا - فجعل يرفع قبل الامام ويقع قبله في السجود ، فلما سلم أخذ سعيد بطرف ردائه - وكان له ذكر يقوله بعد الصلاة - فما زال الحجاج ينازعه رداءه حتى قضى سعيد ذكره ، ثم أقبل عليه سعيد فقال له : يا سارق يا خائن ، تصلي هذه الصلاة ، لقد هممت أن أضرب بهذا النعل وجهك . فلم يرد عليه ثم مضى الحجاج إلى الحج ، ثم رجع فعاد إلى الشام ، ثم جاء نائبا على الحجاز . فلما قتل ابن الزبير كر راجعا إلى المدينة نائبا عليها ، فلما دخل المسجد إذا مجلس سعيد بن المسيب ، فقصده الحجاج فخشي الناس على سعيد منه ، فجاء حتى جلس بين يديه فقال له : أنت صاحب الكلمات ؟ فضرب سعيد صدره بيده وقال : نعم ! قال : فجزاك الله من معلم ومؤدب خيرا ، ما صليت بعدك صلاة إلا وأنا أذكر قولك . ثم قام ومضى . وروى الرياشي عن الأصمعي وأبي زيد عن معاذ بن العلاء - أخي أبي عمرو بن العلاء - قال : لما قتل الحجاج ابن الزبير ارتجت مكة بالبكاء ، فأمر الناس فجمعوا في المسجد ثم صعد المنبر فقال بعد حمد الله والثناء عليه : يا أهل مكة ! بلغني إكباركم قتل ابن الزبير ، ألا وإن ابن الزبير كان من خيار هذه الأمة ، حتى رغب في الخلافة ونازع فيها أهلها ، فنزع طاعة الله واستكن بحرم الله ، ولو كان شئ مانع العصاة لمنعت آدم حرمة الله ، إن الله خلقه بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وأسجد له ملائكته ، وأباح له كرامته ، وأسكنه جنته ، فلما أخطأ أخرجه من الجنة بخطيئته ، وآدم أكرم على الله من ابن الزبير والجنة أعظم حرمة من الكعبة ، اذكروا الله يذكركم . وقال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق بن يوسف ، ثنا عون ، عن أبي الصديق الناجي : أن الحجاج دخل على أسماء بنت أبي بكر بعد ما قتل ابنها عبد الله فقال : إن ابنك ألحد في هذا البيت ،